محمد فاروق النبهان
94
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
ذلك ، ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا عن طريق الصحابة الذين عاصروا وقت النزول ، وعايشوا تلك المرحلة الزمنية ، واهتمام العلماء بذلك مؤشر واضح على عناية علماء المسلمين بالقرآن ، وتوثيق للقرآن ، وتتبع لمراحل نزوله ، وتحديد لتاريخ كل آية وموطن نزولها . وهذا التفريق ساعد العلماء على تحقيق ما يلي : أولا : تحديد خصائص كل من الآيات المكية والمدنية عن طريق الاستقراء والتتبع ، من الناحية الموضوعية والأسلوبية . ثانيا : دراسة مراحل تاريخ الدعوة الإسلامية خلال المرحلتين المكية والمدنية ، وتوثيق روايات السيرة النبوية ، المرتبطة كل الارتباط بالقرآن والسنة النبوية . ثالثا : معرفة الناسخ والمنسوخ من الآيات والأحكام ، وهذا أمر كبير الأهمية ، لأن النسخ وقع في القرآن ، ومعرفة المتقدم والمتأخر من الآيات هو السبيل الوحيد لمعرفة الناسخ من المنسوخ . رابعا : فهم النصوص القرآنية عن طريق معرفة تاريخ القرآن ، والظروف التي أدت إلى نزول الآيات ، واستنتاج منهج الدعوة الإسلامية في الخطاب والإقناع . واستطاع العلماء بعد جهد كبير وتتبع دقيق أن يعرفوا المكي والمدني من الآيات ، ومن الطبيعي أن يقع الاختلاف في بعض الآيات ، نتيجة تعدد الروايات فيها ، إلا أن ذلك الالتباس أمكن التغلب عليه ، والآيات المكية معروفة والآيات المدنية كذلك . وعدّد « الزركشي في البرهان » والسيوطي في الإتقان كلا من السور المكية والسور المدنية ، والسور المكية خمس وثمانون والسور المدنية تسع وعشرون ، على اختلاف الروايات ، ووقع الاختلاف في اثنتي عشرة سورة ، ويبدو أن سبب الخلاف هو أن بعض السور نزلت بين مكة والمدينة أو أن بعضها مكي والبعض الآخر مدني ، وهو خلاف يدل على جدية الاهتمام بالأمر ، ودقة تتبع الروايات الواردة عن الصحابة .